رَيًماْ اًلَبْراَهّـيًمَ
08-14-2010, 12:42AM
بدرية البشر
عند نهاية الشهر انتهى رصيد هاتفي، فتوقفت عند بقالة، وسألت إذا كان المحل يبيع بطاقات شحن هاتفية. اعتذر العامل وقال: لا، فسألته أين تقع محال هاتف «تي موبايل»؟، قام الشاب كحركة إنقاذ أخيرة بفتح شاشة الكومبيوتر التي أمامه التي يستخدمها في المحاسبة، ثم فتح على «غوغل»، فظهرت خريطة الشارع الذي نحن فيه، حركها قليلاً وضع اسم «تي موبايل»، فوجده، ثم قال لي: ها هو، في تقاطع الشارع الخامس مع شارع برادوي على الناصية، أي على بعد شارعين. وأشار بيده إلى الموقع. خرجت وأنا أضحك على نفسي وعلى أقدارنا العربية كلها، وعلى خفة دمها الكافية لأن تجعل حياتنا تمشي بالبركة، حين تضيع في الشوارع العربية وتسأل كيف تصل للمحل الفلاني يدلونك على طريقة: بص أنت تمشي يمين في شمال في يمين وهناك تسأل، ولو سألتهم هناك حيث أرسلوك فإنهم سيعيدونك لنفس النقطة التي جئت منها. الحياة في أميركا على رغم فارق اللغة والجغرافيا وقوانين المرور سهلة لا تحتاج سوى لدليل صغير. لا يمشي أحد هنا من دونه، وهو السيد «جي بي اس» يتحدث لك بصوت سيدة أسميتها «السيدة ساشا»، تبشرك حالما تصل الموقع بفرح قائلة: «يو أرايفد ذا دستنشين». حتى انك في أوقات تود لو قبلت رأسها على هذه الخدمات الجليلة. كل ما تطلبه منك «السيدة ساشا» هو أن تضع رقم العنوان والاسم والمدينة ثم تقول لها تفضلي. الجميع هنا لا يتحدث باليمين والشمال، بل بالأرقام والحروف، الشارع الخامس... والشارع ميم... وما عليك سوى أن تخزنها في الـgps فتقوم «السيدة ساشا» بقيادتك. في دبي استخدم الـgps حين كنت حديثة عهد بالشوارع، لكن غالباً كانت «ساشا» تضيع وتتعب لأنهم على الدوام يغلقون طرقاً ويفتحون أخرى، وعليك تحديث الجهاز من الشركة كل فترة، أو تعتمد على ذاكرتك فيصبح جهاز مثل الـgps من سقط المتاع في سيارتك. أما في بقية المدن العربية، فعليك أن تروح يميناً في شمال، وهناك تسأل. أرجو ألا يظن البعض أنني أختصر الحياة في مظاهر التقدم المادي، لكنني أتساءل ما بال الخليجيين الذين امتلكوا كل هذه المظاهر بسبب توافر القدرة الشرائية، لا يوظفونها سوى في ما يضرهم ويسفه قيمتهم الانسانية الابداعية، فالسيارات عندنا وسيلة قتل أكثر ما هي وسيلة نقل، و«الإنترنت» اليوم هو مجرد دفاتر شخصية للأسرار أكثر مما هي لقضاء المصالح اليومية. في بلادنا العربية تتراكم الأجهزة عالية التقنية وغالية السعر في ايدينا، المثقفون يستخدمونها للطباعة والقراءة، وجمهور التسلية يستخدمونها للعب الورق وتناقل الإشاعات، هنا تبدو أمياً إذا لم تحجز بواسطة «الإنترنت»، بل وغبياً لأنك تضيع فرصة السعر المخفض، بمبلغ أقل، بما يعادل ثلث المبلغ وتستطيع أن تقص تذاكر السينما والمسرح عن طريق «النت»، وكذلك تحجز تذاكر الطيران والقطار، وتستأجر مركبة. وطالما سمعت أن الحجز عن طريق «النت» ينتهي والتذاكر بيعت، لأن الناس تحجز قبل الموعد بأشهر وربما سنة، أما أطرف خدمات «النت» هنا فهي طلب البيتزا، فعن طريق «النت» تدخل لموقع محل البيتزا القريب منك وتطلب نوع البيتزا بالضغط على صور المقادير التي تريد وتدفع ببطاقة الائتمان وتضغط الزر، وعلى الشاشة تشاهد نقطة حمراء هي حركة سيارة التوصيل المنزلي المتجهة لمنزلك، وستعرف عن طريق شاشة «النت» أن سيارة البيتزا عند بابك قبل أن يرن عامل البيتزا جرس الباب. أقول ما قال مندهشاً سعودي أوجعه رأسه من متابعة كل هذا: «والله ناس فاضيين!».
:r:
عند نهاية الشهر انتهى رصيد هاتفي، فتوقفت عند بقالة، وسألت إذا كان المحل يبيع بطاقات شحن هاتفية. اعتذر العامل وقال: لا، فسألته أين تقع محال هاتف «تي موبايل»؟، قام الشاب كحركة إنقاذ أخيرة بفتح شاشة الكومبيوتر التي أمامه التي يستخدمها في المحاسبة، ثم فتح على «غوغل»، فظهرت خريطة الشارع الذي نحن فيه، حركها قليلاً وضع اسم «تي موبايل»، فوجده، ثم قال لي: ها هو، في تقاطع الشارع الخامس مع شارع برادوي على الناصية، أي على بعد شارعين. وأشار بيده إلى الموقع. خرجت وأنا أضحك على نفسي وعلى أقدارنا العربية كلها، وعلى خفة دمها الكافية لأن تجعل حياتنا تمشي بالبركة، حين تضيع في الشوارع العربية وتسأل كيف تصل للمحل الفلاني يدلونك على طريقة: بص أنت تمشي يمين في شمال في يمين وهناك تسأل، ولو سألتهم هناك حيث أرسلوك فإنهم سيعيدونك لنفس النقطة التي جئت منها. الحياة في أميركا على رغم فارق اللغة والجغرافيا وقوانين المرور سهلة لا تحتاج سوى لدليل صغير. لا يمشي أحد هنا من دونه، وهو السيد «جي بي اس» يتحدث لك بصوت سيدة أسميتها «السيدة ساشا»، تبشرك حالما تصل الموقع بفرح قائلة: «يو أرايفد ذا دستنشين». حتى انك في أوقات تود لو قبلت رأسها على هذه الخدمات الجليلة. كل ما تطلبه منك «السيدة ساشا» هو أن تضع رقم العنوان والاسم والمدينة ثم تقول لها تفضلي. الجميع هنا لا يتحدث باليمين والشمال، بل بالأرقام والحروف، الشارع الخامس... والشارع ميم... وما عليك سوى أن تخزنها في الـgps فتقوم «السيدة ساشا» بقيادتك. في دبي استخدم الـgps حين كنت حديثة عهد بالشوارع، لكن غالباً كانت «ساشا» تضيع وتتعب لأنهم على الدوام يغلقون طرقاً ويفتحون أخرى، وعليك تحديث الجهاز من الشركة كل فترة، أو تعتمد على ذاكرتك فيصبح جهاز مثل الـgps من سقط المتاع في سيارتك. أما في بقية المدن العربية، فعليك أن تروح يميناً في شمال، وهناك تسأل. أرجو ألا يظن البعض أنني أختصر الحياة في مظاهر التقدم المادي، لكنني أتساءل ما بال الخليجيين الذين امتلكوا كل هذه المظاهر بسبب توافر القدرة الشرائية، لا يوظفونها سوى في ما يضرهم ويسفه قيمتهم الانسانية الابداعية، فالسيارات عندنا وسيلة قتل أكثر ما هي وسيلة نقل، و«الإنترنت» اليوم هو مجرد دفاتر شخصية للأسرار أكثر مما هي لقضاء المصالح اليومية. في بلادنا العربية تتراكم الأجهزة عالية التقنية وغالية السعر في ايدينا، المثقفون يستخدمونها للطباعة والقراءة، وجمهور التسلية يستخدمونها للعب الورق وتناقل الإشاعات، هنا تبدو أمياً إذا لم تحجز بواسطة «الإنترنت»، بل وغبياً لأنك تضيع فرصة السعر المخفض، بمبلغ أقل، بما يعادل ثلث المبلغ وتستطيع أن تقص تذاكر السينما والمسرح عن طريق «النت»، وكذلك تحجز تذاكر الطيران والقطار، وتستأجر مركبة. وطالما سمعت أن الحجز عن طريق «النت» ينتهي والتذاكر بيعت، لأن الناس تحجز قبل الموعد بأشهر وربما سنة، أما أطرف خدمات «النت» هنا فهي طلب البيتزا، فعن طريق «النت» تدخل لموقع محل البيتزا القريب منك وتطلب نوع البيتزا بالضغط على صور المقادير التي تريد وتدفع ببطاقة الائتمان وتضغط الزر، وعلى الشاشة تشاهد نقطة حمراء هي حركة سيارة التوصيل المنزلي المتجهة لمنزلك، وستعرف عن طريق شاشة «النت» أن سيارة البيتزا عند بابك قبل أن يرن عامل البيتزا جرس الباب. أقول ما قال مندهشاً سعودي أوجعه رأسه من متابعة كل هذا: «والله ناس فاضيين!».
:r: